عبد الشافى محمد عبد اللطيف

236

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

أي بلد من البلاد التابعة لها في حوض البحر الأبيض المتوسط ، وفضلا عن ذلك ربطت العوامل الطبيعية بين مصر والشام في الشؤون البحرية ، وجعلت كلّا منهما لا تستغني عن الآخرى . . ولكن في ظل الإسلام انتظمت العلاقات بينهما على أساس التعاون لما فيه نصرة الإسلام ، ولا سيما أمام عدوهم المشترك من البيزنطيين » « 1 » . * دور الصناعة في مصر وأثرها في إنشاء الأساطيل الإسلامية كانت مصر مركزا من مراكز صناعة السفن الحربية أثناء الحكم البيزنطي لها ، ولأهلها خبرة طويلة في هذا الميدان ، ومن المراكز الهامة : دار الصناعة في الإسكندرية ودمياط ورشيد وتنيس والقلزم - السويس - ودار الصناعة اسم للمكان المعد لإنشاء السفن ، والعرب هم أول من استعمل هذه التسمية ، وعنهم أخذها الأوربيون بعد اتصالهم بهم في الأندلس ، وأثناء الحروب الصليبية في الشرق . فأطلق الإيطاليون على دار الصناعة اسم : DARSENA , ARSENALE وأطلق عليها الأسبان ARSENAL . هذه الدور المخصصة لصناعة السفن ، والتي كانت منتشرة في مصر على شواطئ البحرين - الأحمر والأبيض المتوسط - هي التي اضطلعت بمهمة بناء الأساطيل البحرية الإسلامية ، لا في مصر وحدها ؛ بل في مصر والشام وبلاد المغرب ، وكانت هذه الدور تمثل كنزا ثمينا للعرب المسلمين وهم بصدد بناء قوة بحرية تنازل الأساطيل البيزنطية العتيدة في البحر الأبيض المتوسط . وقد عوضت الخبرات المصرية في هذا الميدان ما كان يفتقر إليه العرب في مطلع عهدهم . فالعرب وإن كانوا يفتقرون إلى الخبرة اللازمة لبناء السفن الحربية فإنهم كانوا يمتلكون الشجاعة والواقعية للاعتراف بذلك ، وفي الوقت نفسه كان لديهم الاستعداد للتعلم من الآخرين كل ما هم في حاجة إليه . وقد تعلموا من أبناء البلاد المفتوحة كثيرا من الأشياء التي لم يكونوا يجيدونها ، وأبناء البلاد المفتوحة أنفسهم أقبلوا على خدمة العرب الفاتحين بكل ما أوتوا من قوة نتيجة لسياسة التسامح والعدل وإطلاق الحريات ، وبصفة خاصة الحرية الدينية التي نعموا بها تحت الحكم العربي . يقول ابن خالدون في هذا الصدد : « فلما استقر الملك للعرب وشمخ سلطانهم ، وصارت أمم البحر خولا لهم « 2 » ، وتحت أيديهم ، وتقرّب كل ذي صنعة إليهم بمبلغ

--> ( 1 ) د . إبراهيم العدوي - مصر الإسلامية ( ص 245 ، 246 ) . ( 2 ) خولا لهم أي : في خدمتهم ، أخذها ابن خالدون من حديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلم الذي يقول فيه عن الرقيق : « إخوانكم خولكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون فإن كلفتموهم فأعينوهم » .